النووي
28
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
الطَّرَفُ الرَّابِعُ : فِي الِاخْتِلَافِ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ . الْأُولَى : ادَّعَى الْغَاصِبُ تَلَفَ الْمَغْصُوبِ ، وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ . فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَقِيلَ : قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ ، فَعَلَى الصَّحِيحِ إِذَا حَلَفَ الْغَاصِبُ ، هَلْ لِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُ الْمِثْلَ أَوِ الْقِيمَةَ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ . الثَّانِيَةُ : اتَّفَقَا عَلَى الْهَلَاكِ وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ ، صُدِّقَ الْغَاصِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ ، وَعَلَى الْمَالِكِ الْبَيِّنَةُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّ قِيمَتَهُ كَذَا ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِفَاتِ الْعَبْدِ لِيُقَوِّمَهُ الْمُقَوِّمُونَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فَفِي قَوْلٍ : يُقْبَلُ وَيُقَوَّمُ بِالْأَوْصَافِ ، وَيُنَزَّلُ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ كَالسَّلَمِ ، وَالْمَشْهُورُ : الْمَنْعُ ، لِلتَّفَاوُتِ . قَالَ الْإِمَامُ : لَكِنْ يَسْتَفِيدُ الْمَالِكُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْأَوْصَافِ إِبْطَالَ دَعْوَى الْغَاصِبِ مِقْدَارًا حَقِيرًا لَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ بِصِفَاتٍ فِي الْعَبْدِ تَقْتَضِي النَّفَاسَةَ ، ثُمَّ قَوَّمَهُ بِحَقِيرٍ لَا يَلِيقُ بِهَا ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، بَلْ يُؤْمَرُ بِالزِّيَادَةِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيمَةً لِمِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْصُوفِ . وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ : قِيمَتُهُ أَلْفٌ ، وَقَالَ الْغَاصِبُ : بَلْ خَمْسُمِائَةٍ ، وَجَاءَ الْمَالِكُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، فَقِيلَ : لَا تُسْمَعُ هَكَذَا ، وَالْأَكْثَرُونَ سَمِعُوهَا ، قَالُوا : وَفَائِدَةُ السَّمَاعِ أَنْ يُكَلَّفَ الْغَاصِبُ زِيَادَةً عَلَى خَمْسِمِائَةٍ إِلَى حَدٍّ لَا تَقْطَعُ الْبَيِّنَةُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ ، وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ : لَا أَدْرِي كَمْ قِيمَتُهُ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يُبَيِّنَ . وَكَذَا لَوْ قَالَ الْغَاصِبُ : أَعْلَمُ أَنَّهُ دُونَ مَا ذَكَرَهُ ، وَلَا أَعْرِفُ قَدْرَهُ ، لَمْ تُسْمَعْ حَتَّى يُبَيِّنَ ، فَإِذَا بَيَّنَ حَلَفَ عَلَيْهِ . الثَّالِثَةُ : قَالَ الْمَالِكُ : كَانَ الْعَبْدُ كَاتِبًا أَوْ مُحْتَرِفًا ، فَأَنْكَرَ الْغَاصِبُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ ، وَقِيلَ : قَوْلُ الْمَالِكِ ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمِلْكِهِ . وَلَوِ ادَّعَى الْغَاصِبُ بِهِ عَيْبًا وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ ، نُظِرَ ، إِنِ ادَّعَى عَيْبًا حَادِثًا فَقَالَ : كَانَ أَقْطَعَ أَوْ سَارِقًا ، فَفِي الْمُصَدَّقِ قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا : الْمَالِكُ . وَإِنِ ادَّعَى عَيْبًا خِلْقِيًّا ، فَقَالَ : كَانَ أَكْمَهَ أَوْ وُلِدَ أَعْرَجَ أَوْ عَدِيمَ الْيَدِ ، فَالْمُصَدَّقُ الْغَاصِبُ عَلَى الصَّحِيحِ ، لِأَنَّ